محمد عزة دروزة
91
التفسير الحديث
ومع ما قلناه فيما تلهمه جملة * ( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) * فإنه ينطوي فيها تلقين قرآني جليل مستمر المدى في صدد الأخوة والمساواة في الإسلام وشمولهما لكل المسلمين الأحرار منهم والأرقاء على السواء . وقد استدللنا من جملة * ( فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ) * على أن الآية قد نزلت بعد آيات سورة النور الأولى التي حددت عقوبة الزاني والزانية بمائة جلدة . وهذا يعني أن عقوبة الأمة المتزوجة خمسون جلدة . ولما كان هناك أحاديث شددت فيها عقوبة الزنا فغدت على غير المتزوجين مائة جلدة وتغريب سنة وعلى المتزوجين مائة جلدة ورجم بالحجارة حتى الموت ( 1 ) فقد قال المفسرون والفقهاء إن عقوبة الأمة المتزوجة تظل خمسين جلدة وتغريب نصف عام لأن عقوبة الرجم لا تنصف ( 2 ) ووجاهة هذا القول ظاهرة . وننبه على أن هناك من قال إنه لا تغريب على الأمة الزانية ولو كانت محصنه . والقياس يقضي أن يكون القول الأول هو الأوجه . ونصّ الآية يفيد أن إحصان الأمة هو حالة تزوجها بعقد ومهر . وقد يرد سؤال عما إذا كانت الأمة المستفرشة من مالكها تعد محصنة أم لا . ويتبادر لنا أنها تعد كذلك . لأن الحكمة من تشديد العقوبة على المحصنين هي كون رغباتهم الجنسية متوفرة بالزواج أو بالاستفراش . واللَّه تعالى أعلم . وواضح من نص الآية أن نصف العذاب هو على الأمة التي أحصنت . أما عقوبة الأمة غير المحصنة فهناك حديث يرويه ابن كثير عن ابن عباس عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « ليس على أمة حدّ حتى تحصن » وروى ابن كثير أن ابن عباس كان يأخذ بهذا ويفتي بضرب الأمة إذا زنت ولم تكن محصنة ضربا تأديبيا دون حدّ معين من الجلدات . والحديث ليس من الصحاح . وهناك حديث رواه مسلم عن علي بن أبي طالب « أنه خطب يوما فقال أيها الناس أقيموا الحدّ على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن . فإن أمة لرسول اللَّه زنت فأمرني أن أجلدها فإذا
--> ( 1 ) سوف نورد هذه الأحاديث ونمحص المسألة في سياق تفسير سورة النور إن شاء اللَّه . ( 2 ) انظر تفسير الآية في الطبري وابن كثير وغيرهما .